الإبداع في العمل الدعوي

تخيل لو أن المسلمين لم يتوصلوا إلى فكرة حفر الخندق في غزوة الأحزاب في السنة الخامسة من الهجرة، وهم يواجهون عشرة آلاف مُشرك من أمامهم، ويتربص بهم اليهود في المدينة من خلفهم.. تخيل لو أن الرسول صلى عليه وسلم لم يوافق على فكرة سلمان الفارسي، أو أن المسلمين واجهوها؛ لأنهم يخافون من الأفكار الجديدة ويتمسكون بكل قديم على أنه هو الوحيد الصحيح، وأن كل جديد لا ينبغي الاقتراب منه لأنهم لا يعرفونه ولم يجرِّبوه. لكن الرسول

والصحابة كانوا من المرونة بحيث استمعوا إلى فكرة سلمان ودرسوها بكل عناية، وبدءوا بالفعل في تنفيذ الفكرة بكل حماس وتعاون وحب، حتى تحقق النصر بإذن الله. فكرة إبداعية أتى بها سلمان الفارسي وقَبِلَها الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعقل متفتِّح وصدور منفتحة على كل جديد دون خوف أو رهبة أو فزع، لينقذ المسلمون أنفسهم ويحموا رسالتهم من طوفان بشري أعياه التفكير طيلة أكثر من عشرين يومًا في كيفية الهجوم على المسلمين والقضاء عليهم. هذا الإبداع وهذه الأفكار الإبداعية، كما تحتاج إليها جميع مجالات الحياة، فإن الدعوة إلى الله في أمسّ الحاجة إليها، نظرًا لما تواجهه من مشكلات مزمنة لم تفلح معها الحلول التقليدية، وأصبحت تنادي على الدعاة من المبدعين والمبتكرين أصحاب الرؤية النافذة والفكر المتقد، لينقلوا الدعوة إلى آفاق أخرى تحلق بها بعيدًا، ليكسبوا أرضًا جديدة لم يجرؤ أحد على الاقتراب منها، ويجذبوا شرائح جديدة من المجتمع، ظلت الدعوة تعاني في إيجاد الوسيلة المناسبة للوصول إليهم.

ما هو الإبداع؟

من ضمن تعريفات عديدة تحاول أن تصف عملية الإبداع بدقة، ربما كان تعريف د. "علي الحمادي" الذي أورده ضمن كتابه الأول في سلسلة "الإبداع"، هو الأبسط والأعم: "هو مزيج من الخيال العلمي المرن، لتطوير فكرة قديمة أو لإيجاد فكرة جديدة مهما كانت الفكرة صغيرة ينتج عنها إنتاج متميز غير مألوف يمكن تطبيقه واستعماله". هذا يعني أنه لن يقوم بعملية الإبداع الدعوي إلا شخص يعيش المشكلة الدعوية، ويرى تفاصيلها بدقة، ويدفعه حماسه وحبه لدعوته وانزعاجه من المشكلة، إلى أن يفكر فيها بعمق، وفي أوقات لم يعتد الناس على التفكير فيها، ربما يكون في أثناء سيره في الشارع أو أثناء ركوبه وسيلة مواصلات، أو عند استعداده للنوم، وهذا يعني أيضًا أن هذه الشخص قادر على التأمل والخيال، ولديه قدرة على ربط الأفكار بعضها البعض، فيستطيع أن يسقط فكرة نجحت في مجال ما على المشكلة الدعوية، فيحدث خليطًا كيميائيًّا يعطي نتيجة جديدة ومفيدة، ولكن بأسلوب مختلف لم يدرج من قبل، وكان من نتيجة هذه الأسلوب، أنه استطاع أن يحل المشكلة بأقل خسائر، أو في وقت أقل، أو بتكلفة أقل، أو استطاع أن يحقق مكاسب أفضل. يشير التعريف أيضًا إلى أن الفكرة الإبداعية لا بد أن لا تكون ضارة، أو تسبح في الفراغ، بمعنى أنها لا بد أن تكون قابلةً للتطبيق بمعايير معينة، وهذه المعايير قد تكون القيم الدينية أو الأعراف الاجتماعية أو قانون المؤسسة التي يعمل بها صاحب الفكرة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تكون مقيدة بمعايير الزمن والتكلفة والمكسب والخسارة. هذا يعني أن الإبداع لا بد له من قيود، وأنه ليس كما يحب أن يقول البعض بأن الإبداع ينبغي أن يكون مطلق الحرية بلا قيد أو شرط. هذا مع الاعتراف بأن كلما زادت مساحة الحرية التي يتحرك فيها المبدع، كان قادرًا على الإبداع بصورة أكبر، وأنه كلما ضاقت هذه المساحة، شعر المبدع بالاختناق إلى أن تقتل لديه الرغبة في الإبداع.

مواصفات داعية مبدع:

يستطيع أي داعية أن يكون مبدعًا، والشرط الوحيد في ذلك هو رغبته وإرادته، بعدها يستطيع أن يدخل عالم الإبداع بعد أن يتدرب على بعض المهارات ويكتسب بعض القناعات وهي:
1- الاعتقاد الجازم بأن (وفي الإمكان أفضل مما كان)، وأن الموجود مهما كان جميلاً، فإنه لا يخلو من عيوب، وأنه من الممكن جدًّا أن نطلق أفكارًا جديدة، من شأنها أن تعالج العيوب وتزيد المزايا.
2-  الجرأة على نقد الواقع وعدم الاستسلام له بما يحويه من مشاكل، وتحليله واكتشاف الأخطاء والسلبيات.
3-  القدرة على إيجاد حلول وبدائل كثيرة لحل المشكلة الواحدة.
4-  الإصرار على الحل بمحاولات متكررة ومتنوعة ومستمرة، وتوقع الفشل في المحاولات الأولى، وعدم الاستسلام للإحباط سواء من تكرار الفشل أو من رد الفعل من حوله من أشخاص.
5-  القراءة المستمرة واستخلاص الأفكار المفيدة من أي مجال وإسقاطها على الواقع الدعوي إذا كان ذلك مناسبًا.
6-   التفكير المتواصل والقدرة على التأمل والخيال. 7- الإنصات لآراء الآخرين والتفكير فيها مهما كانت غريبة.

معوقات العمل الإبداعي في المجال الدعوي:

العلاقة بين المبدع والمجتمع علاقة تبادلية، فإذا كان المبدع يفكر ويبدع من أجل حل مشاكل المجتمع، فينبغي على المجتمع أن يساعد المبدع ويقف بجانبه معنويًّا وماديًّا حتى يخرج إبداعه للنور، وإلا ماتت هذه العقول المبدعة في أماكنها، أو فرت إلى من يقبلها ويشجعها، كما فرت العشرات من العقول العربية إلى أوروبا وأمريكا لتحقق إنجازات عالمية غير مسبوقة، نعود بعدها نحن لنبرزهم على الفضائيات، كي نعترف بهم أخيرًا ونفتخر أنهم عرب!

مشكلات في حاجة إلى إبداع:

في حقل الدعوة يوجد الكثير من المشكلات المزمنة التي تحتاج إلى عقول مبدعة تبحث عن حلول غير تقليدية لحلها، من هذه المشكلات: 1- عدم وصول الدعوة إلى شرائح معينة بصورة كافية، مثل شريحة السائقين وأصحاب الحرف المهنية (نقاش- سباك ..الخ). 2- دور الدعوة في حل المشكلات الأخلاقية والتربوية في المجتمع بصورة واقعية وفعالة. 3- عدم التفاهم بين الآباء والأبناء بصورة جعلت الأبناء يعيشون في جزر منعزلة عن محيط أسرهم مما أضر بالمجتمع أبلغ الضرر. إن الدعوة إلى الله في أمسِّ الحاجة إلى دعاة مبدعين في كل مجالات العمل الدعوي للنهوض به وتحقيق أهدافه ولو حدث ذلك لفتحت لها آفاقًا جديدة، كان من الصعب الوصول إليها.
…………
المصدر:موقع حركة التوحيد والإصلاح

مفاهيم 1434

جديد المطويات

مهرجان حداء الصحراء

صفحة الجمعية على