في ترشيد الخطاب الدعوي

altإن الناظر في الساحة الدعوية يرى مع قلة الدعاة ضعفا باديا في تسلح تلك القلة بما يضمن لها أداء رسالتها والانطلاق بدعوتها والرفع من شأن أمتها ولا شك أن الدعاة قبل غيرهم من يتحمل المسؤولية الكبرى في ذلك وأنهم مطالبون بتكوير أنفسهم والرفع من أدائهم ونشدان الإحسان في مهمتهم، فقد علمنا الإسلام ذلك قال تعالى "وأحسنوا إن الله يحب المحسنين"وقال صلى الله عليه وسلم"إن الله كتب الإحسان على كل شيء"رواه مسلم،وقال أيضا"إن الله يحب إذا صنع أحدكم شيئا أن يتقنه"، ولعل من أهم ما يلاحظ علينا معاشر الدعاة مايلي:

 

 

أ ـ الضعف العلمي:إن الذي يريد أن يدعو إلى الإسلام، ويبشر به يحتاج إلى معرفة بما يدعو إليه وتضلع من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم اللذين هما المصدر الأول والأخير للإسلام وأن تكون له دراسة متواصلة وارتباط وثيق بهذين المصدرين وأن يكون له حرص كبير على فقههما فالداعية أحوج إلى الفقه والفهم والاستيعاب من الأستاذ والمعلم وليس لهذا التعليم حد يقف عنده، بل الواجب أن يظل في نهل من العلم وشغف بالازدياد منه ما بقي يعلو المنابر وينادي أيها الناس.

ولا بد هنا من الجمع بين التعليم المنهجي المستمر الذي يعطي فيه الداعية الأولوية لجوانب نقصه واحتياجات مجتمعه وبين التحضير الآني لكل درس وخطبة وكل محاضرة وكلمة، ومن المهم هنا أن أنبه إخوتي الدعاة إلى كتاب "ثقافة الداعية" للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي لينير لهم الطريق ويفصل في هذا الموضع تفصيلا.

ولئن كانت تحديات الدعوة في مرحلة ما تقتضي النفير العام والهبة الشاملة فإن المرحلة الحالية تحتاج التخصص الدقيق والفقه العميق والعلم الراسخ لكثرة الشبهات وعظم التحديات وأن يتولى مهمة التبليغ عن الله أولي الأيدي والأبصار.

 

ب ـ الاطلاع على الواقع:إن كثيرا من الدعاة للأسف الشديد ضعيف البصر بواقعه أعشى الرؤية بأيامه، والجهل بالواقع يجعل خطاب الداعية مقصرا عن تطلعات المتلقي، كما يجعله ضعيف الأثر إن لم يكن عظيم الضرر.

إن الجهل بالواقع قد يجعل الداعية يحيي بدعا قد ماتت من خلال تعريف الناس بها ويغفل بدعا قد استجدت وموبقات قد طرأت وفتنا قد نشطت وفرقا ضالة قد ولدت وأخلاقا سيئة نشأت، فالداعية يحتاج إلى معرفة محيطه الذي يتحرك فيه، ومعرفة المدعوين معرفة تجعله يصيب في خطابهم ويدخل إليهم من بابهم، ويقدم لهم العلاج المناسب، ثم هو محتاج لمعرفة الظواهر السيئة التي يعالجها من أولاها بالتقديم وأجدرها بالتأجيل وتفاوتها في الخطر، فإذا تسنت له معرفة ذلك كله كلمهم بلسانهم الذي يفهمون، واللسان هنا أعم من اللغة فهو يعني كل ماله دور في توضيح الفكرة والتأثير على المتلقي، فيشمل الثقافة والعادة والهواية وما يساعد في التغيير أيا كان.

جـ ـ الالتزام بالضوابط الشرعية للخطاب الدعوي وما تقتضيه من لين ورفق واختيار للمكان والزمان المناسبين، والبعد عن التجريح والتعيين والنبز بالألقاب وحرص على التثبت والتبين في نقل وإصدار الأحكام، وتقديم ما يستحق التقديم وتأجيل ما يستحق التأجيل والاهتمام بالكليات أكثر من الجزئيات والعناية بالمقاصد أكثر من الوسائل والدعوة لما يجمع المجتمع لا ما يفرقه، والعناية بالحقائق الكبرى للدين من التعريف بالله وزرع محبته وخشيته وعظمته في القلوب والأهبة للقائه ثم يقدم كليات الأخلاق من الإحسان والعدل والاستقامة والصدق، كل هذه المعاني على الداعية أن يبدأ بها قبل الجزئيات والفروع.

 

د ـ الدعوة بالعلم: ولكي يبلغ الداعية أحسن إبلاغ لابد من تقديم الدعوة في ردائها العلمي، ذلك أن كثيرا من الدعاة يظن أن الدعوة إلى الله هي إلهاب الحماس وحشد العواطف وهذا ما نتج عنه كثير من مظاهر الإفراط والتفريط التي أصبحت مشكلة أمام الدعوة والدعاة،فليلتزم الداعية المنهج العلمي في خطابه، من إقامة الدليل والبرهان وجلب المقصد والعلة والاعتناء بتخريج الأحاديث ونسبة الأقوال واختيار الأصوب والأرجح والتنبيه على أنه راجح في نظر مرجحه فقط، كما عليه أن يسمع نصيحة الشاطبي حين يقول"عليك بلب العلم ولا تستكثر من ملحه وإياك وأغاليطه".

 

هـ ـ الأساليب مقامات:إن أسلوب الدعوة هو الثوب الذي يبرز فيه الإسلام للناس، ولابد من تحسين ثوب الإسلام حتى يرغب الناس فيه ولا ينفرون منه، وكل داعية عليه أن يحسن أسلوبه ويطوره، وأن يعلم أن الأساليب تخضع للموقف الذي يقفه الداعية والمقام الذي هو فيه، وإن الداعية ذا النمط الأوحد والأسلوب المتكرر والعرض الثابت يمله المستمعون ويسأمه المخاطبون، ولذلك لابد للداعية أن يجعل لكل مقام أسلوبا خاصا، فليس أسلوب الخطبة المنبرية هو الأسلوب الناجح في البرنامج الإذاعي ولا أسلوب الدرس العلمي هو الأسلوب الناجح في المحاضرة العامة، ولا أسلوب دروس الأندية الطلابية مناسبا للدروس النسائية المنزلية، فلكل مقام مقال وطريقة في أداء المقال، إن الداعية الناجح يستطيع بالأساليب المتعددة أن يترجم الثقافة الإسلامية والعلم الشرعي وينقله من دائرة الاختصاص الضيق إلى النفع العام.

والأسلوب هنا يشمل اختيار اللغة المناسبة واستغلال الوسائل المؤثرة والعناية بالترتيب المتسلسل والتقسيم المنهجي.

مفاهيم 1434

جديد المطويات

مهرجان حداء الصحراء

صفحة الجمعية على