غلام في العاشرة

altقال مستشعراً المسؤولية: "إذا قام النبي فأيقظيني".. 
لم يكن القائل سوى غلام في العاشرة من عمره، نشأ في بيت كله إيمان، قام عليه أبواه بالتربية والتزكية، حتى تنامت همته وبعدت، وتزكت نفسه وارتفعت، فجاوزت همم الكبار.. 
غلام صغير يتلهف لينظر كيف يقيم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليله.. يوصي صاحبة البيت حتى لا تغفل عن إيقاظه، كيلا يفوته ما لأجله أتى، ثم يأوي إلى النوم، والنوم بعيد عن عينيه الصغيرتين اللتين تمتلئان براءة وصدقا، فلا يزال يتقلب يقلب ناظريه في الرسول الكريم، ينظر ماذا يفعل في نومه؟.. 

أن يعرف عنه كل دقيقة وجليلة، ثم يرقبه حين يقوم، يرصد كل حركاته وسكناته ليقتدي بها، فيراه يتسوك، ويقرأ القرآن، ويتوضأ ويصلي، فيهب من فراشه يتمطى، يريه أنه كان نائما، كراهية أن يشعره أنه كان يرقبه أو يعد أفعاله!!!. 
ثم يتوضأ مثله، ويقف ليصلي معه صلاة طويلة، بلا ضجر ولا سأم.. 
فمن هذا الغلام الذي ترك اللهو واللعب وما اعتاده مَنْ في سنه، وتعلق بالمثل العليا يريد محاكاتها؟!. 
من هذا الغلام الذي يضحي بنومه وراحته، ولعبه ولهوه، ليغنم فقه قيام الليل من المعلم الأول؟. 
وهل في الأجيال اليوم من يحتذي حذوه؟. 
وهل في الآباء والأمهات من يرجو أن يكون لهم من مثله؟. 
هذا الغلام لُقِّب بعد مر الأيام بالبحر وبالحبر وبترجمان القرآن، صارت إليه الفتيا والفقه وعلم الكتاب، لا شك أنكم عرفتموه؛ إنه عبد الله بن عباس، ابن عم رسول الله.. 
أبوه العباس بن عبد المطلب عم رسول الله، وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، أسلم أبوه، وأسلمت أمه قديما، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "كنت أنا وأمي من المستضعفين"[رواه البخاري]، في التفسير باب قوله تعالى: "ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله .." [النساء:75]، وباب: "إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان"[النساء:98]. 
فعلى ماذا ربياه؟، وماذا غرسا فيه؟، وكيف هذبا نفسه، وطهرا قلبه؟. 
كان العباس من الصالحين، تكفيه صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمومته له، وقد كانوا في عهد عمر إذا أجدبوا، طلبوا منه الدعاء؛ فيستسقي لهم. 
وأما أمه فكانت من علية النساء عقلا ورجاحة، كانت من رواة الحديث، أخرج لها أصحاب الكتب الستة، وروى عنها ابنها الغلام الصغير عبدالله بن عباس وابنها تمام، وأنس وغيرهم. 
في مثل هذه البيئة العريقة والمليئة بالإيمان والعلم والعمل الصالح نشأ ابن عباس، فليس عجبا بعد ذلك أن نرى فيه الحرص الشديد على التعلم والعمل الصالح، فإن البيت إذا صلح صلح من فيه، وإن الأبوين إذا صلحا بعدت همة الأبناء وزكت نفوسهم، وإن أمًّا تسعى في طلب العلم، وتعلم حديث رسول الله وروايته لحري بأبنائها أن يكونوا مثلها جدًّا واجتهاداً وتعلُّماً وصلاحاً. 
إن ابن عباس حفظ لنا، وهو بعدَ طفل لم يبلغ الحلم، من سنة رسول الله في قيام الله ما لم يحفظ غيره، فماذا كان منه ومن رسول الله في تلك الليلة المباركة؟. 
دعونا نستمع لابن عباس وهو يقول، كما جاء في الصحاح والسنن (بتصرف): 
"بت عند خالتي ميمونة بنت الحارث، وقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله. وقلت لها: إذا قام النبي فأيقظيني، فجاء رسول الله بعد ما أمسى، فقال: أصلى الغلام؟، قالت: نعم. 
فصلى أربع ركعات، ثم تحدث معه أهله ساعة، فطرحت لرسول الله وسادة، ثم رقد، فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله وأهله في طولها، فنام حتى انتصف الليل أو قبله أو بعده بقليل. 
ثم استيقظ فتسوك، ثم جلس يمسح النوم عن وجهه بيده، فنظر في السماء، ثم قرأ العشر آيات من خواتيم سورة آل عمران. 
ثم قام إلى شن معلقة فتوضأ وضوءاً بين وضوءين لم يكثر وتسوك، ثم قال: نام الغليم. ثم قام يصلي، فتمطيت كراهية أن يرى أني كنت أرقبه، فتوضأت نحوا مما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره، فوضع يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني يفتلها بيده، ثم جعلني عن يمينه. ثم صلى إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، ثم اضطجع فنام حتى نفخ. 
ثم أتاه بلال فآذنه بالصلاة فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم أعطني نوراً. 
فصلى للناس الصبح ولم يتوضأ"؛ أي اكتفى بوضوء الليل. 
هذه القصة فيها فوائد كثيرة متعلقة بالليل: 
1- جواز نوم الصغير إذا لم يبلغ مع الزوجين، واشتراكه معهما في وسادة واحدة. 
2- صلاة أربع ركعات عند دخول البيت بعد صلاة العشاء. 
3- تفقد أحوال الأبناء ذكوراً وإناثاً، والسؤال عن صلاتهم. 
4- الحديث مع الزوج قبل النوم. 
5- السنة في قيام الليل نوم أوله، وقيام أوسطه، ونوم آخره. 
6- السنة في المستيقظ من نومه السواك، ومسح الوجه باليد، وقراءة آخر آل عمران. 
7- الوضوء والصلاة. 
8- جواز الحركة في الصلاة بفتل أذن الصغير وتحويله من جهة إلى أخرى، وكل ذلك لا يبطل الصلاة. 
9- صلاة الليل مثنى مثنى ثم الوتر، وغايتها إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة. 
10- الاضطجاع بعد ذلك حتى صلاة الفجر. 
11- مجيء المؤذن ليؤذن الإمام بالصلاة. 
12- الخروج والدعاء قبل دخول المسجد. 
13- من خصوصياته عليه السلام أن وضوءه لا ينتقض بالنوم، حيث تنام عينه ولا ينام قلبه. 
كل تلك الفوائد حفظها لنا هذا الصغير رضي الله عنه، كان في بعض الأحيان يعد للنبي وضوءه، فيدعو له رسول الله: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ، لما رأى فيه مخايل النجابة خصه ببعض الكلمات، فقال له: 
"يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ قال: بلى، قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا". رواه أحمد 
والغلام يسمع من النبي توجيهاته، ويتشرب تلك القواعد العظيمة التي عليها يقوم الدين، ويتغذى عليها، ويسمعها وهي تخرج من فم رسول الله نوراً وبرهاناً، فتنساب في قلبه البريء المفطور على تلك المعاني، فتتلاحم الأنوار في قلبه، ليزداد نورا على نور، نور الوحي ونور الفطرة،"نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء"[النور:35]، وقد كان ابن عباس ممَّن شاء الله أن يهديهم. 
استوعب الغلام الدروس النبوية، وانطلق يعارك الحياة بإيمان راسخ وهمة عالية، لما مات رسول الله كان في الخامسة عشرة من عمره، قال يوما لأحد أقرانه: 
" هلم بنا نسأل أصحاب رسول، فإنهم اليوم كثير. 
فقال: واعجبا لك يابن عباس!، أترى الناس يحتاجون إليك؟. 
يقول: فتركته، وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتَسفي الريح علي التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله! ألا أرسلت إلي فآتيك؟، فأقول: أنا أحق أن آتيك فأسألك. 
قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي، فقال: هذا الفتى أعقل مني". 
وهكذا مضى ابن عباس حاملا توجيهات رسول الله ودعائه مجتهداً صابراً حتى فاق الجميع في العلم والعبادة، فقد كان عمر يدنيه ويدخله مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فدعاه عمر ذات يوم فأدخله معهم، وقال: 
"ما تقولون في قوله تعالى: "إذا جاء نصر الله والفتح" [النصر:1]؟. 
فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. 
فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله أعلمه له، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول". 
قال أبو وائل: "خطبنا ابن عباس وهو أمير على الموسم، فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثل هذا، لو سمعته فارس والروم والترك لأسلمت" .[مصدر الترجمة سير أعلام النبلاء3/331] 
هذا مثال رائع وقدوة لأبناء المسلمين، ألا يتمنى الآباء أن يكون لهم مثل ابن عباس؟. 
لم يكن ابن عباس الغلام ليصير إلى ما صار إليه، لو كان بين أبوين لا يرعيان فيه إلا جسده، أو كان في بيت قد تنجس بالملهيات المفسدات. 
لم يكن ليكون حبرا وبحرا وترجمانا، لو أنه نشأ في بيت ليس فيه ذكر، ولا حلقة قرآن، أو حديث. 
إن السير على طريقة هؤلاء العظماء، وتربية أجيال تكون مثلهم أو قريبا منهم غير محال ولا بعيد كما يظن، بل قد نبغت أمثلة رائعة بعد ابن عباس، حذت حذوه، وبلغت شأوه، وصارت أعلاما، كسفيان الثوري، وأحمد، والبخاري، والشافعي، وغيرهم كثير في كل زمان ومكان. 
لكن لا ينال قصب السبق إلا من سعى، وإن الأبوين إذا سعيا بإخلاص وحكمة ودراية فليس محالا أن يكون لهم غلام نابغ، قدوته ابن عباس وسفيان وابن حنبل، وأول طريق للوصول إلى ذلك هو: تربية الأطفال على سيرة أولئك. وزرع الألفة بينهم، بتذكيرهم: أن أولئك العظماء -كابن عباس- كانوا مثلهم في السن والجسم. وأنهم نالوا الثريا بهمتهم، فإن الطفل يأنس بالطفل مثله، وإذا علم أن هنالك عظماء كانوا في مثل سنه، فإن فكره يعلو، وهمته تزكو، ونفسه تطمح أن تدانيهم، بل تسابقهم. 
إن للأبوين دوراً كبيراً في تهيئة العظماء لو أحسنا التربية، لكن قبل ذلك ومع ذلك يجب أن يكونوا قدوة حسنة لصغارهم، كيما يقتفوا آثارهم.

د. لطف الله بن عبد العظيم خوجه

مفاهيم 1434

جديد المطويات

مهرجان حداء الصحراء

صفحة الجمعية على